رجعت بيت أمي

بدأت حياتي في القاهرة من الصفر، واشتغلت مساعدًا في ورشة لتصليح الأجهزة الكهربائية. وبعد سنين من التعب والتوفير، قدرت أفتح محل صغير باسمي. ومع الوقت، الشغل زاد وبقيت قادر أساعد أمي من غير ما أحس إني مقصر.

كنت بكلمها كل جمعة، وأبعت لها فلوس كل شهر. ولسنين طويلة، كنت بحوّل الفلوس على حسابها في البنك. لكن من كام شهر، بنت خالتي سعاد قالت إن المشوار بقى صعب عليها، وإنها ممكن تستلم الفلوس وتوصلها لأمي بنفسها. قالت لي
خالتك كبرت يا يوسف، ومبقتش قادرة تروح البنك.

ابعت الفلوس على حسابي وأنا هديهالها بإيدي. دي زي أمي بالظبط. سعاد كانت اتربت في بيت أمي بعد ما فقدت أهلها، وأمي احتضنتها وربّتها. عشان كده، ما اترددتش أوافق، وعمري ما تخيلت إنها ممكن تستغل ثقتي.

ليلة وصولي، استقبلتني سعاد في بيتها بأكل بلدي، لكن أول ما سألتها عن أمي، اختفت ابتسامتها. أمال أمي فين يا سعاد؟ أنا كلمتها من يومين وقالت إنها قاعدة في البيت. اتلخبطت وردت
بسرعة
كانت هنا، بس راحت تزور

واحدة صاحبتها في بلد جنبنا. هترجع كمان كام يوم. استغربت. أمي عمرها ما كانت بتسافر من غير ما تبلغني، حتى لو هتروح آخر الشارع. راحت إمتى؟ وليه ما قالتليش؟قالت وهي بتبعد عينيها
ما تكبّرش الموضوع. ارتاح وبكرة نبقى نشوف.

لكن قلقي زاد لما افتكرت رسائل أمي الأخيرة. كانت في البداية تحكي لي تفاصيل يومها وتسألني عن شغلي، ثم بقت رسائلها قصيرة وغريبة
أنا بخير يا حبيبي. ما تتصلش دلوقتي. الرصيد خلص، هكلمك بعدين. حاولت أقنع نفسي إنها تعبت من الموبايل أو إن الشبكة وحشة، لكن إحساسي كان بيقول إن فيه حاجة أكبر.

مع أول ضوء للنهار، خرجت عشان أروح لها بنفسي. لكن سعاد وقفت قدامي عند الباب. رايح فين بدري كده؟رايح لأمي. عايز أطمن عليها. اتغيرت ملامحها وقالت
استنى شوية. باب بيتها الكالون بتاعه بايظ، ومش هتعرف تفتحه.

أقدر أصلحه. إيه المشكلة؟ارتبكت وقالت
افطر الأول، وبعدين ابقى روح. خرجت من غير ما أجادلها، ومشيت ناحية بيت أمي. كل خطوة كانت بتزود إحساسي إن فيه مصېبة مستنياني. لما وصلت، وقفت مكاني من الصدمة. الشبابيك كانت متغطية بألواح خشب، والجنينة ناشفة ومهجورة، وشجرة الجوافة

أوراقها مصفرة. أما قشطة فكان ضعيفًا لدرجة إني استغربت إزاي لسه قادر يقف. المكان كله كان ساكتًا. مفيش دخان من الفرن، ولا صوت الفراخ، ولا حتى صوت أمي وهي بتتمتم بأدعية الصباح. وأكتر حاجة خلت الډم ينشف في عروقي كانت السلسلة الحديد الملفوفة حوالين الباب والمقفولة بقفل كبير من برّه.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *