رجعت بيت أمي
بعد خروجها من المستشفى، رجعت بها إلى البلد. كانت الحاجة أمينة وعم حسن في انتظارنا، ومعهما قشطة. أول ما رأته أمي، ربّتت على رأسه، فظل واقفًا بجانبها كأنه لا يريد الابتعاد. بعد أيام، سألتها عن الانتقال للقاهرة
تيجي تعيشي معايا؟ هبقى جنبك والمستشفيات قريبة.
نظرت إلى الأرض وقالت
ومين هيهتم بالجنينة؟ثم أضافت
أنا عايزة أرجع لبيتي وأرضي، بس عايزاك توعدني بحاجة. ما تسيبش حد تاني يبقى هو عينك اللي تشوفني بيها. لو مش هتعرف تيجي، كلمني بنفسك واسألني أنا محتاجة إيه. ما قدرتش أرد بسرعة.
كنت فاكر إن الفلوس كفاية عشان أكون ابن بار، لكن اكتشفت إنها تشتري الدوا والأكل، ولا تضمن إن الشخص اللي بتحبه بخير. قلت لها
حقك عليّا يا أمي. مش هسيب حاجة تخصك لحد تاني من غير
ما أتأكد بنفسي.
ضغطت على إيدي وقالت
اللي فات فات. المهم إننا نتعلم منه. رجعت القاهرة أيامًا قليلة ورتبت شغلي، ونقلت جزءًا أكبر من المسؤوليات لشريكي، وبدأت أتابع ما أقدر عليه من البلد. اتفقت مع عم حسن على مساعدتها وقت غيابي، ونظمت مواعيد علاجها وزياراتها.
أما جنى، فاستقرت مع أقارب موثوقين، وبمساعدة الجهات المختصة بدأت تقضي وقتًا معنا وتكمل دراستها. أمي لم تحملها مسؤولية ما فعله أهلها، بل عاملتها كحفيدتها وساعدتها تبدأ من جديد. أصلحنا شبابيك البيت، وغيّرنا الأقفال، وجعلنا كل باب سهل الفتح والإغلاق. في البداية، كانت أمي تخاف الخروج للحوش، لكننا لم نستعجلها.
كانت جنى تمشي بجانبها، وقشطة يجري أمامهما بين الزرع. وبعد فترة، وصلت أمي بنفسها إلى أول شتلة طماطم وسقتها. ثم قالت لي
هات لي شوية تراب من الناحية التانية يا يوسف. عايزة أزرع هنا كمان. كانت لحظة بسيطة، لكنها بالنسبة لي كانت أكبر من أي انتصار.
أمي رجعت تتحرك في أرضها بإرادتها، من غير خوف ولا سلاسل. وبعد شهور، عادت إلى السوق الأسبوعي. كانت تتحدث مع نساء القرية، وجنى تضع رسوماتها بجانب أكياس البذور. أحيانًا كانت أمي تحكي ما حدث، وأحيانًا
الصمت. فهمنا أن التعافي لا يعني النسيان، وأن من حقها اختيار متى تحكي ولمن. وفي عصر يوم، وجدتها جالسة عند الباب، تنظر إلى الرسمة التي صنعتها جنى وهي محپوسة. قالت لي
فاكر لما كنت بتسألني ليه مش عايزة أسيب البيت ده؟فاكر يا أمي. أشارت إلى الرسمة