ابنى
بصيت في الساعة المعلقة على الحيطة، كانت التانية والنصف بعد منتصف الليل. الفجر فاضل عليه حوالي ساعة ونص. خرجت من البيت من غير ما أحسس أخواتي أو أي حد من البلد، مشيت في شوارع القرية الفاضية، الهدوء كان مرعب، والكلاب كانت بتعوي بصوت ينقبض له القلب. كل خطوة كنت بمشيها ناحية المقابر كانت تحسسني إن الأرض بتتسحب من تحت رجليا، بس صورة عمر وهو الحلم والشوكة مغروسة في جنبه كانت هي المحرك الوحيد ليا.
وصلت سور ، الضلمة كانت كاحلة، وما فيش غير نور القمر الخافت اللي نازل على أسطح الشواهد . الريح كانت بتهب بصوت حفيف بين أشجار الصدر والعوسج النابتة بين المقابر. مشيت بخطوات بطيئة ومرتبكة بين الشواهد لحد ما قربت من عمر.
أول ما قربت، لاحظت حاجة غريبة جداً… الشمعة! كان في شمعة صغيرة متولعة ومحطوطة على الطوب الرصيص اللي فوق ، ونورها الضعيف كان بيرتعش مع الهواء!
وقف قلبي في صدري. قربت ببطء وأنا ماسك عصاية خشب تقيلة كنت جايبها معايا، وقلت بصوت مخنوع ويرتعش: “مين هنا؟… مين اللي بعت الجواب؟”
الظابط بصوت هز أرجاء : “اكتفوا الاتنين وهاتوا كل حاجة معاهم!”
خلال ثواني، كانت الكلبشات بتتقفل على إيدي وإيد رجب البشاري، اللي كان بينظر لي بنظرات كلها غل وشر وهو فاكر إن أنا اللي سحبته للفخ ده. أنا مكنتش داري بجديد ولا بقديم، عيني كانت متسمرة على الشخص اللي واقف جنب العميد… “الحاج توفيق”، كبير عيلتنا، الراجل اللي كان بيمسح على كتفي الصبح وبيقولي “اتعوذ من الشيطان يا عبد السميع وابنك في رحمة ربنا، بلاش تفتحه فتنسى حرمة الميت!”
كان واقف يداري عينيه عني، وشعاع كشاف الشرطة يضرب في وشه، فتبان حركة إيديه المترددة وهي بتلعب في زرار عبايته السودا. السر اللي قال عليه رجب البشاري بدأ ينكشف قدامي زي الغشاوة اللي تقع من على العين، بس الثمن كان إني أتبهدل وأتسحل في أروقة المباحث وأنا مجروح في شرفي وعقلي وابني تحت التراب!
اتسحبنا أنا ورجب على مركز الشرطة. في مكتب رئيس المباحث، كانت الرائحة تفوح بسجاير كليوباترا مع عرق المتهمين، والجو مشحون. جلس العميد على كرسيه الجلد وبصلي بنظرة شفقة مخلوطة بريبة، وقال: “يا عبد السميع… أنت راجل معروف في البلد بالطيبة والاستقامة، إيه اللي يخليك تتفق مع نباش قبور رد سجون زي رجب عشان تفتح نص الليل؟ هل الصدمة طيرت عقلك بجد، ولا في حاجة تاني مستخبية؟”