جارتي وقفتني على باب شقتي وقالت لي خلي زوجك يوطّي صوتَه! وأنا أصلًا عايشة لوحدي! متخليش زوجك يعمل ضوضاء بالليل، العمارة كلها بقت عارفة مواعيد رجوعه! الجملة دي كانت كفيلة إنها تثير قلقي الشديد وتخليني أراجع نفسي. لأني ببساطة: أنا مش متجوزة. والأغرب من كده إني كنت عايشة لوحدي في الشقة دي بقالي تقريبا سنة. مافيش زوج. مافيش أخ. مافيش صديق. ومافيش أي شخص معاه مفتاح شقتي. ومع ذلك، جارتي كانت واقفة قدامي وبتتكلم بثقة غريبة، كأنها شافت بعينيها رجلاً يعيش معي. ولما سألتها: رجل إيه يا مدام؟ أنا عايشة لوحدي! بصت لي للحظات من غير ما ترد، وبعدها قالت بصوت خفيض: أنتِ متأكدة؟ الكلمة دي بالذات خلتني أحس إن في حاجة غير طبيعية بتحصل ورا ضهري. رجعت من الشغل في اليوم ده متأخرة شوية، وأول ما طلعت السلم لقيت جارتي منتظرانى قدام باب شقتها. بمجرد ما شافتني، قربت مني وقالت: بصراحة أنا مترددة أقولك، بس لازم تتكلمي مع زوجك. استغربت، وقلت: زوجي؟! قالت: أيوه، الرجل اللي معاكي. ضحكت بتعجب وقلت: مافيش رجل معي أصلًا! وشها اتغير وقالت: يعني إيه؟ يعني أنا عايشة لوحدي، حضرتك أكيد لخبطتي بين شقتي وشقة تانيّة. هزت راسها وقالت: لا، أنا متأكدة من الشقة، الصوت بيطلع من عندك بالظبط. وبدأت تحكي لي تفاصيل جعلتني أشعر بحيرة شديدة وخوف متزايد. قالت إن بقاله كذا يوم فيه رجل بيعمل ضوضاء في شقتي: مرة بيتكلم بصوت عالي. مرة بيحرك مقاعد وأثاث. ومرة شغل التلفزيون والموسيقى بصوت عالٍ جداً. وفي يوم، فضل تقريبا عشرين دقيقة بيحرك شيئاً ثقيلاً من غرفة لأخرى. سألتها: طب أنتِ شفتيه؟ قالت: لا. سمعتِ صوته؟ أيوه. طب عرفتِ إنه رجل إزاي؟ سكتت لحظة وقالت: صوته خشن وخطواته كمان. حسيت بقشعريرة تسري في جسمي. دخلت شقتي وقفلت الباب ورايا بالمفتاح. وقفت في الصالة أبحث بعيني. كل حاجة كانت طبيعية: الحقائب في مكانها. التلفزيون مغلق. النوافذ مغلقة. باب الشقة ما فيهوش أي أثر لمحاولة فتح أو عبث. دخلت غرفة النوم، وكل حاجة كانت زي ما سيبتها. فتشت في الدولاب.. ولا حاجة ناقصة. فتحت درج الأوراق المهمة.. وكل حاجة في مكانها. قلت لنفسي: أكيد جارتي سمعت صوتاً قادماً من شقة تانية. لكن وأنا داخلة المطبخ.. وقفت مكاني. كان فيه كوب زجاجي على الرخام. المشكلة إني كنت متأكدة إني حطيته جوه الخزانة الصبح. قربت منه ولمسته، كان لسه مبلولاً. قلبي بدأ يدق بسرعة. فتحت الثلاجة وفضلت أبص جواها وأنا بحاول أفتكر؛ كان فيه أشياء ناقصة، بس مش قادرة أحدد إيه بالظبط. قلت لنفسي: يمكن أنا اللي أكلتهم ونسيت. لكن الحقيقة إني من اللحظة دي بدأت أقلق بقوة من الشقة. الليلة دي ما نمتش تقريباً؛ كل صوت كان بيخليني أفتح عيني: صوت أنابيب المياه. صوت باب في العمارة. صوت سيارة في الشارع. كنت كل مرة أقوم وأبص ناحية باب الشقة وأقول لنفسي: لو فعلاً فيه حد بيدخل.. بيدخل إزاي؟ أنا ما أدتش المفتاح لأي أحد، ولا حتى لأقاربي. وفي الصبح، بدل ما أروح الشغل، قررت أعمل خطوة غير تقليدية. هنتظر هذا الشخص بنفسي. لبست ملابسي وخرجت من الشقة كأني رايحة الشغل، وحرصت إن الجيران يشوفوني وأنا خارجة. نزلت من العمارة، ومشيت شوية، وبعدها ركنت سيارتي بعيداً. رجعت من مدخل خلفي للعمارة، وطلعت الشقة من غير ما حد يشوفني. دخلت غرفة النوم وبصيت للسرير، كان كبيراً وقاعدته عالية. قلت لنفسي: لو فيه حد فعلاً بيدخل هنا، أنا هعرف مين هو. دخلت تحت السرير، وقفلت الهاتف على الصامت، وسحبت طرف الملاءة نحوي وبدأت أنتظر. ساعة عدت.. وبعدها ساعة تانية.. ولا أي حاجة! بدأت أحس إنيبالغت في مخاوفي، وقلت: يمكن جارتي غلطانة، ويمكن خوفت نفسي على الفاضي. كنت خلاص هطلع من تحت السرير.. لحد ما سمعت صوتاً جعل جسمي كله يتجمد: صوت مفتاح بيتحط في قفل باب الشقة! ساعتها ما بقيتش حاسة بأطرافي. المفتاح لف ببطء، والباب اتفتح. مش كسر.. مش خبط.. مش حد بيحاول يقتحم المكان. لأ.. الشخص دخل بكل هدوء، بمفتاح حقيقي! دخل وقفل الباب وراه، وبعدها سمعت خطواته: خطوات رجل! اتججه للمطبخ. فتحت عيني على الآخر وأنا تحت السرير. سمعت الثلاجة بتتفتح، وبعدها صنبور المياه، وبعدين اشتغل التلفزيون. كان بيتصرف وكأنه داخل بيته تماماً! ولا عنده أي خوف، ولا حتى حاسس إن فيه حاجة غريبة. بعد شوية سمعت صوت كرسي بيتسحب، وبعدين صوت تناول طعام، وبعدها ضحكة خفيفة. كنت تحت السرير بحبس أنفاسي وأسأل نفسي: إزاي الشخص ده عنده مفتاح؟ وإزاي داخل شقتي كأنه صاحبها؟ وبعد حوالي عشر دقائق، التلفزيون اتقفل، وسمعت خطواته بتقرب ناحية غرفة النوم: خطوة.. خطوة.. خطوة.. لحد ما وقف قدام الدولاب، وبصوت متضايق قال: طبعاً هي سايبة هدومها غير مرتبة تاني! تجمدت في مكاني.. هو بيتكلم عني! فتح الدولاب وبدأ يحرك ملابسي، وبعدين قال اسمي بوضوح! حطيت إيدي على فمي عشان أمنع أي صوت. هو يعرف اسمي! يعرف شقتي! يعرف حاجتي! وعنده مفتاح! وفجأة.. سمعت خطواته بتقرب من السرير. قدميه وقفت قدام وجهي مباشرة! وبعدين.. قعد على السرير! حسيت المرتبة بتنخفض فوقي. كنت على بعد سنتيمترات قليلة منه؛ لو نزل يده تحت السرير هيشوفني! فضل قاعد ثواني طويلة، وبعدين مد يده في جيبه وسمعت صوت هاتف يتم فتحه، وبدأ يتكلم مع شخص ما وقال بمنتهى الهدوء: أيوه، أنا وصلت.. هي في الشغل كالعادة. قلبي هبط في ركبي. هو كان عارف مواعيدي! مش بس عارف إني بخرج، ده عارف أنا بخرج إمتى، وعارف إني بكون في الشغل في الوقت ده، وعارف إن الشقة فاضية. في اللحظة دي فهمت إن الموضوع مش صدفة؛ الشخص ده بيراقبني بدقة. بعد شوية قام ودخل الحمام. استنيت لحد ما سمعت باب الحمام بيتقفل، وطلعت إيدي ببطء من تحت السرير، مسكت الهاتف وكتبت لجارتي رسالة قصيرة جداً: “اتصلي بالشرطة فوراً.. هو هنا”. ما شرحتش التفاصيل، ما كانش عندي وقت. فضلت منتظرة حوالي ربع ساعة مرت كأنها عمر كامل. وبعدين.. خبط شديد على الباب! الشخص خرج من الحمام بسرعة ووقف مكانه، واضح إنه أدرك أن هناك خطباً ما. سمعت صوتاً من الخارج: “شرطة! افتح الباب!” الشخص توتر، وسمعت خطوات سريعة، وبعدها تدخلت الجهات المختصة للسيطرة على الموقف. وأنا لسه تحت السرير، مش قادرة أصدق إن كابوس الأيام اللي فاتت كان حقيقة واقعة! بعد ما تأكدت إن الأمور استقرت، خرجت ببطء من مكاني، وأول ما رفعت رأسي شفت الشخص المعني. والأغرب إن أول ما شافني، وشه اتغير تماماً كأنه مش مصدق إني كنت موجودة. بعدها بدأت الحقيقة تظهر تدريجياً: الشخص ده كان المالك القديم للشقة، وقبل ما أنا أستأجرها كان هو عايش فيها، وبعد كده باعها لسيدة، والسيدة دي هي اللي أنا أجرت منها الشقة. لكن المشكلة إن المالك القديم احتفظ بنسخة قديمة من مفاتيح الشقة. ومع الوقت، حالته النفسية تأثرت وأصبح مقتنعاً أن الشقة ما زالت تخصه، وكان بيتعامل معها كأنها ملكه! في البداية كان بيدخل من وقت لآخر يبص على الشقة ويمشي، وبعدين بدأ يقعد وقت أطول: يفتح الثلاجة، يستخدم المطبخ، ياخد حمام، يتفرج على التلفزيون، ويقعد بالساعات. ومع الوقت بدأ يتعامل مع أشيائي كأنها تخصه، وياخد أشياء صغيرة ويقول لنفسه إنها بسيطة ومش هتلاحظ. لكن عندما تم فحص متعلقاته، اكتشفت الجهات المختصة وجود صندوق كامل مليان أغراض من شقتي: مجوهرات، أوراق وملاحظات كنت بكتبها، فرشة شعري، وأشياء أخرى كنت فاكرة إني ضيعتها من شهور. يعني الشخص ده ما كانش بيزور الشقة مرة أو مرتين، ده كان بيدخل بقاله شهور! وعارف تفاصيل حياتي، مواعيد خروجي ورجوعي، وإمتى الشقة بتكون فاضية، وحتى تفاصيل كنت نسيتها. في اللحظة دي فهمت ليه جارتي كانت بتسمع أصوات رجل كل يوم، وفهمت ليه أشياء بسيطة كانت بتتغير مكانها، وفهمت قصة الكوب اللي لقيته جنب الحوض والأشياء اللي كانت تختفي من الثلاجة. كل حاجة كانت بتحصل قدامي وأنا مش منتبهة. بعد اللي حصل، ما قدرتش أكمل في الشقة ولا يوم واحد، وخلال أيام سيبت المكان كله. ومن يومها، كل ما أسمع صوت مفتاح في باب قريب مني، جسمي كله بيتوتر؛ لأني تعلمت درس عمري ما هنساه: مش كل بيت مغلق معناه إنك لوحدك جواه، ومش كل إحساس غريب بيحصل في بيتك لازم يكون مجرد توهم. “هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”