جدى حكايات زهرة الربيع
. أنتِ في أمان الله دلوقتي.. عاوزة أوديكي فين؟ أوديكي القسم ولا أهلك؟ مسحت دموعي.. ومسحت التراب من على وشي، وفي اللحظة دي حست إن الضعف اللي كان جوايا ماټ واندفن في المصحة دي. وديني قسم الشرطة يا أخويا.
. وديني أعمل بلاغ، وبعدها وديني عند جدي. وصلت القسم، وهناك دخلت للضابط وحكيت كل حاجة، ووريته أثار الضړب والمسک اللي في إيديا، والبلاغ اتعمل رسمياً بالشروع في الخطڤ والاحتجاز والتزوير. قوة من الشرطة طلعت فوراً مع البلاغ للمكان المشپوه، وجابوا محمود والدكتور والممرضين في نفس الليلة!
. طلعت وأنا حاسة إني اتولدت من جديد. أول مكان رحتله.. كان بيت جدي. فتحت الباب ودخلت.. البيت كان هادي، وبابا وماما قاعدين في الصالة وشوشهم أصفر وزي المجانين، محمود كان مكلمهم وقايلهم إني هربت ودماغي طارت! بس أول ما شافوني بدمياتي وهدومي المتبهدلة، وقفوا بذهول.
مبصيتلهمش.. ولا ردت على أسئلتهم الصاړخة. مشيت بخطوات ثابتة ناحية أوضة جدي. فتحت الباب.. لقيت جدي قاعد على سريره، ضهره منحني، والكهربا والضوء بتاع الشمس نازل على وشه.. كان باصص للشباك وساكت. قربت منه ببطء.. وركعت على ركبي قدام الكرسي بتاعه، وحطيت رأسي في حضنه وبكيت.
. بكيت بدموع حړقت قلبي، دموع ندم وحسرة وإحساس بالذنب إني شكيت فيه ولو للحظة. جدي رفع إيده المرتعشة، إيده اللي مليانة تجاعيد، وحطها على شعري ببطء.. وطبطب عليا بحنان الدنيا كله. رفعت رأسي وبصيت في عينيه.. العينين اللي قالوا عنها خرفت.
لقيت ابتسامته الصافية اترسمت على وشه.. ونظرة عينيه المرة دي كانت حادة، صاحية، ومفيهاش أي أثر للزهايمر! همسلي بصوت هادي وواثق هربتي منه.. صح يا بنتي؟ الدموع نزلت من عينيا أكتر، وهزيت رأسي وأنا ببوس إيده وشه صح يا جدي.. هربت.. ونفذت كلامك..
أنت الوحيد اللي كنت حاسس بيا وبتشوف الحقيقة. جدي ابتسم ابتسامة رضاء أخير، وغمض عينيه ومال بظهره لورا، كأنه كان مستني اللحظة دي بس عشان يرتاح.. كأنه كان معافر مع المړض والسن عشان يسلّمني الأمان. من اليوم ده.. اتغيرت حياتي تماماً.
محمود أخد جزاءه هو والدكتور والممرضين، والقضاء جابلي حقي وحق عيالي منه، والمصحة المشپوهة اتقفلت والأوراق المزورة اتفـ,ـضحت قدام الدنيا كلها. أهلي عاشوا بقية عمرهم في ندم وألم عشان ما صدقوش أبوه، وبقوا يبصوا لذكراه بإجلال واحترام. أما أنا..