مرت الأيام والأسابيع في القصر وكأننا في حلم جميل، حسن كان بيعوضني عن كل ثانية تعب وشقاء عشتها في الماضي، وكان بيعاملني باهتمام وحب يخلوني أحس إني ملكة مش بس زوجة. أمي كانت بتكلمني كل يوم وتطمن عليا، وكنت ببعت لها كل اللي تحتاجه وأكتر من غير ما تختاز أو تحتاج لحد، لكنها كانت ديماً زعلانة على حال هدير اللي انقلب رأسًا على عقب. هدير بعد طردها من القصر، حالتها النفسية دمرت تماماً؛ غرورها اتكسر ومبقاش فيه أي شاب يجيلها ولا حد يبص لها، خصوصًا بعد ما الفضيحة انتشرت في المنطقة كلها وإنها كانت بتتريق على مليونير متنكر في زي شحات. بقت قاعدة في البيت لوحدها مع أبوها الطريح الفراش، لا بتخدمه ولا بتقوم عشانه، لحد ما اليوم اللي محدش كان يتوقعه جه. في ليلة باردة، سمعنا تليفون القصر بيضرب برقم أمي. رديت بسرعة وبقلق، فلقيت أمي بتعيط بصوت مقطوع ومنهارة، وبتقولي وهي بتتنفس صعـب: “لحقيني يا نبيلة.. أبوكي.. أبوكي بيموت يا بنتي.. وهدير.. هدير هربت وسابت البيت!” وقعت السماعة من إيدي من الصدمة، وبسرعة بصيت لحسن اللي كان واقف جنبي وشاف الخوف في عيوني. من غير ما نتكلم كلمة واحدة، جهز عربيته وطار بيا على البيت القديم في أسرع وقت. أول ما دخلنا الشقة، المنظر كان يبكي العين. أبويا كان على السرير بيصارع أنفاسه الأخيرة، وأمي قاعدة جنبه منهارة من العياط ومش قادرة تعمل حاجة. عرفنا من أمي إن هدير، لما ضاقت بيها الحيل ومبقاش فيه أي مظهر تفتاخر بيه ولا فلوس تصرف منها على الكريمات واللبس، عرفت إن فيه شاب ثري كان بيحاول يكلمها زمان قبل ما تفضل الغرور، فقامت جمعت كل دهب أمي وكل قرش كان متحوش في البيت وهربت معاه، وسابت أبوها المريض ملوش حد غير مراته العجوزة المكسورة! جريت على سرير أبويا، مسكت إيده الباردة وقعدت أبكي وأقوله: “أنا معاك يا بابا.. مش هسيبك.” أبويا فتح عينه بصعوبة بالغـة، وبص لي بنظرة كلها رضا وندم، وحرك شفايفه بصوت خافت جداً ميادوب بيتسمع: “سامحيني.. يا بنتي.. حقك عليا.” طلعت روحه لبارئها وهو في حضني، وانهارت العياط والصراخ في البيت البسيط ده. حسن وقف جنبي بكل رجولة وثبات، وجهز كل ترتيبات الدفن والعزاء على أعلى مستوى، وعمل لأبويا جنازة تليق به، وقام بكل الواجبات كأنه أبوه الحقيقي مش حماه وبس. بعد انتهاء أيام العزاء، أمي كانت قاعدة وحيدة ومنكسرة بعد ما هدير سابتها وغدرت بيها، فبصيت لحسن وقلت له بدموع: “مقدرش أسيب أمي لوحدها في البيت ده بعد كل اللي حصل.. دي أمي اللي استحملت معاي كتير.” حسن ابتسم بحنان وضم إيدي وقال لي بحب: “أنا كنت لسه هقولك كده.. أمك من اللحظة دي هتعيش معانا في القصر، وفي أمان وراحة تليق بيها.” وفعلاً، نقلت أمي تعيش معانا في القصر، وبقت حياتنا هادئة ومستقرة، وكأن ربنا حب يمسح على قلوبنا ويجازينا خير عن الصبر الطويل. أما هدير، فالكل سمع بعدها بفترة قصيرة إن الشاب اللي هربت معاه نصب عليها ورموها في الشارع، وبقت بدون مأوى ولا سند، تدفع ثمن غرورها وقسوة قلبها غالي أوي. مرت سنة كاملة على اليوم اللي اتغيرت فيه حياتي تماماً، سنة كاملة من الاستقرار، والراحة، والهدوء اللي مكنتش أحلم بيهم أصلاً. أمي بقت عايشة معانا في القصر، وحسن كان بيعاملها كأنها أمه الحقيقية، بيوفر لها كل راحة ورعاية، وبيخلي دايماً ابتسامتها ما تفارقش وشها عشان ينسيها تعب سنين الفقر والشقاء. أنا نفسي.. رجعت لحياتي هوايتي البسيطة، بس بدل ما كنت قاعدة على ماكينة خياطة قديمة في مشغل ضيق بصلح هدوم الناس بالقطعة، حسن جهز لي في القصر أورش فخم خاص بيا، أجمل وأحدث الماكينات والتصميمات، وبقيت أصمم أزياء راقية جداً وباسم خاص بيا، وكمان بدأت أساهم مع حسن في أعمال الخير ومساعدة كل الغلابة والمحتاجين اللي بيمروا باللي كنا بنمر بيه زمان. لكن الدنيا مبتقفش عند حد، والقدر دايماً بيكتب نهايات لكل ظالم.. في يوم وأنا قاعدة في جنينة القصر الكبيرة مع أمي بنشرب الشاي في جو هادئ، سمعنا صوت حرس البوابة بيستأذنوا وواضح إن فيه مشكلة بره. حسن نزل وشاف في إيه، وبعد دقايق رجع لي وهو ماسك في إيده واحدة شكلها متهالك جداً، هدومها ممزقة ووشها باين عليه التعب والإرهاق، وعنيها تايهة ومش قادرة ترفعها في وشنا. لما قربت أكتر وبصيت في وشها.. اتجمدت مكاني! دي مش حد غريب.. دي هدير! أختي اللي كانت يوم من الأيام ماشية بغرور وشايفة نفسها على الكل، اللي كانت بتتريق عليا عشان بورت في البيت وكانت بتعايرني بالشحاتين والمظاهر.. بقت هي نفسها قاعدة على باب القصر بتمد إيدها وتطلب الصدقة والأكل من الحرس والخدم! أول ما شافتنيم رمَت نفسها على الأرض من كتر العياط والنحيب، وساقت برجليها وهي بتصرخ بصوت مقطوع: “نبيلة! أختي! ابوس إيدك سامحيني! والله العظيم أنا ندمت.. الشاب اللي هربت معه ضحك عليا، سرق فلوس الدهب وسابني في الشارع للغربة والذل.. بقيت لوحدي.. ماليش حد في الدنيا غيركم.. ابوس إيدك ادخليني القصر حتى لو خدامة.. مش قادرة أعيش في الشارع!” أمي دمعت عينيها وقلبها الحنين وجعها عليها، وبصتلي بنظرة كلها رجاء وتوسل، كأنها بتقولي دي أختكِ من دمك ولحمك. قربت من هدير بخطوات هادئة وثابتة، بصيت لها وهي مرمية في التراب، وقلت بصوت هادئ ومن غير أي الشماتة: “يا هدير.. الفلوس والمظاهر بتروح وتيجي، والجمال بيزول، بس النخوة والأصل والقلب الطيب هما اللي بيبقوا.. أنتي اخترتِ طريق الغرور والقسوة، وضحكتِ عليّ يوم ما كنت مكسورة، وبعتِ أبوكي وهو على فراش الموت عشان قرشين.. جزاء اللي عملتيه جه لحد عندك.” هدير صرخت بانهيار وقالت: “خلاص يا نبيلة.. تبت! والله تبت!” كملت كلامي بهدوء: “أنا مش هرميكي في الشارع ومش هقطع صلة الرحم.. حسن، أمر بأنها تاخد غرفة في البيت القديم بتاعنا، ويتبعت لها أكل وشرب ومصروف شهري تكفيها وتسترها.. بس قصر هنا.. مكانها مش موجود، ولا لقلبي طاقة أتحمل أشوف قدامي واحدة دمرت كل اللي حواليها لأنها تفرغت لنفسها.” هدير فضلت تعيط وتصرخ وهي مجرورة بره القصر، وأنا دخلت وقعدت جنب أمي اللي طبطبت على كتافي وقالت لي بصوت دافئ: “عملتي الأصل يا بنتي.. ربنا يبارك لك في جوزك وبيتك، واللي زرع شقاوة يحصد دمعة.” حضنت أمي، وحسيت أخيراً إن العدالة الإلهية أخذت مجراها، وإن الصبر، والرضا، والستر هما أقوى سلاح ممكن الإنسان يعيش بيه في الدنيا دي. مرت سنة كمان، وهدير كانت قاعدة في البيت القديم لوحدها، بتاخد مصاريفها ومأكلها من غير ما تتعرض للجوع، بس القسوة اللي زرعتها في قلوب الناس رجعت تضوي في وشها كل يوم وهي قاعدة لوحدها بين الحيطان اللي هجرتها زمان. أما أنا، فحياتي مع حسن وأمي بقت جنة صغيرة، القصر مليان بالخير، وبدأت أوسع مشروعي للتصميمات لحد ما بقى ليه اسم كبير في السوق، وبقينا أنا وحسن بنساعد كل محتاج وبنفتح بيوت لناس كتير كانت تايهة في الدنيا. في يوم، وأنا في الأورش بتاعي جوه القصر براجع بعض التصميمات الجديدة، دخل عليا حسن وعطله قلق وتفكير غريب، بص لي وقال بصوت هادئ: “نبيلة.. فيه شخص طالب يقابلني بره، ومصر إنه يشوفك أنتِ بالذات، وبيقول إنه يعرفك كويس من أيام زمان، من قبل ما يدخل القصر ده كله.” استغربت جداً، وقمت مع حسن وخرجنا للصالون الكبير. لما دخلت، لقيت شاب واقف وراسه في الأرض، ملابسه بسيطة ونظراته كلها كسرة وندم. أول ما رفع عينه وبص لي، عرفته فوراً! ده “صالح”، الشاب اللي كان بيشتغل زمان نجار في الورشة اللي قصاد المشغل بتاعي، واللي أيام ما كنت مكسورة ومحدش بيبصلي، كان الوحيد اللي بيبعت لي كلمة طيبة أو يساعدني أشيل حاجة ثقيلة من غير ما يتكبر عليا، بس في يوم من الأيام، جه اتقدم لهدير وهي رفضته باستهزاء وقالت له نفس الكلمة المشؤومة: “أنت شحات ولا لايق عليا.. روح اتجوز نبيلة البورت في البيت”! صالح بص لي وبص لحسن، وقال بصوت مرتعش ودموعه في عينيه: “أنا عارف إن جريمتي كبيرة وإني جاي أطلب المستحيل.. بس والله ما جاي عشان فلوس ولا مظاهر. أنا جاي أعتذر لك يا ست نبيلة، وأشكرك من كل قلبي.. اليوم اللي أختكِ هدير ضحكت عليا فيه ورفضتني وطردتني بطريقة مهينة، كلامها كان سهم نزل في قلبي كسرني، بس في نفس الوقت كان هو الصدمة اللي فوقتني! سبت الشارع ده كله وسافرت لإسكندرية، اشتغلت ليل نهار بعرق جبيني، وفتحت ورشة صغيرة لحد ما ربنا كرممني وبقى عندي مصنع صغير للأثاث.” كمل كلامه وهو بيبص لأرض الصالون بحياء: “لما سمعت باللي جرى لهدير، وعرفت أصلك الطيب وجدعنتك اللي ربنا عوضك بيها، حسيت إني لازم أجي لحد عندك، مش بس عشان أعتذر عن يوم الاستهزاء.. لكن عشان أقولكِ إن دعوة المظلوم بتلف الدنيا وتستقر في مكانها الصح، وإن ربنا بيدي كل واحد على قد نيته.” حسن بص له باحترام، وقال بصوت رجولي وواضح: “أهلاً بيك يا صالح.. الاعتذار فضيلة، واللي يتعب ويشقى بجهده يستاهل كل احترام.” ابتسمت لصالح، وقلت له بصوت هادئ ومريح: “مفيش بينا زعل يا صالح، الدنيا درجات، وكل واحد بياخد نصيبه اللي كتبهوله ربنا.. ربنا يوفقك في حياتك وشغلك، واعتبر نفسك في بيتك.” صالح مشى وهو حاسس إن جبل من الهم اتسحب من على صدره، ورجعت أنا لحسن، مسك إيدي وباسها بحب وقال لي: “طول عمرك أصيلة يا نبيلة.. عشان كده ربنا عوضك بكل ده.” بصيت لجنينة القصر، وحمدت ربنا ألف مرة على نعمة الرضا والستر، وعرفت إن القصة لسه ليها بقية، بس خلاص.. البقية كلها خير وسعادة. “هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”