حكايات زهرة ج٢

أول ما شافتنيم رمَت نفسها على الأرض من كتر العياط والنحيب، وساقت برجليها وهي بتصرخ بصوت مقطوع:

“نبيلة! أختي! ابوس إيدك سامحيني! والله العظيم أنا ندمت.. الشاب اللي هربت معه ضحك عليا، سرق فلوس الدهب وسابني في الشارع للغربة والذل.. بقيت لوحدي.. ماليش حد في الدنيا غيركم.. ابوس إيدك ادخليني القصر حتى لو خدامة.. مش قادرة أعيش في الشارع!”

أمي دمعت عينيها وقلبها الحنين وجعها عليها، وبصتلي بنظرة كلها رجاء وتوسل، كأنها بتقولي دي أختكِ من دمك ولحمك.

قربت من هدير بخطوات هادئة وثابتة، بصيت لها وهي مرمية في التراب، وقلت بصوت هادئ ومن غير أي الشماتة:

“يا هدير.. الفلوس والمظاهر بتروح وتيجي، والجمال بيزول، بس النخوة والأصل والقلب الطيب هما اللي بيبقوا.. أنتي اخترتِ طريق الغرور والقسوة، وضحكتِ عليّ يوم ما كنت مكسورة، وبعتِ أبوكي وهو على فراش الموت عشان قرشين.. جزاء اللي عملتيه جه لحد عندك.”

هدير صرخت بانهيار وقالت:

“خلاص يا نبيلة.. تبت! والله تبت!”

كملت كلامي بهدوء:

“أنا مش هرميكي في الشارع ومش هقطع صلة الرحم.. حسن، أمر بأنها تاخد غرفة في البيت القديم بتاعنا، ويتبعت لها أكل وشرب ومصروف شهري تكفيها وتسترها.. بس قصر هنا.. مكانها مش موجود، ولا لقلبي طاقة أتحمل أشوف قدامي واحدة دمرت كل اللي حواليها لأنها تفرغت لنفسها.”

هدير فضلت تعيط وتصرخ وهي مجرورة بره القصر، وأنا دخلت وقعدت جنب أمي اللي طبطبت على كتافي وقالت لي بصوت دافئ:

“عملتي الأصل يا بنتي.. ربنا يبارك لك في جوزك وبيتك، واللي زرع شقاوة يحصد دمعة.”

حضنت أمي، وحسيت أخيراً إن العدالة الإلهية أخذت مجراها، وإن الصبر، والرضا، والستر هما أقوى سلاح ممكن الإنسان يعيش بيه في الدنيا دي.

مرت سنة كمان، وهدير كانت قاعدة في البيت القديم لوحدها، بتاخد مصاريفها ومأكلها من غير ما تتعرض للجوع، بس القسوة اللي زرعتها في قلوب الناس رجعت تضوي في وشها كل يوم وهي قاعدة لوحدها بين الحيطان اللي هجرتها زمان. أما أنا، فحياتي مع حسن وأمي بقت جنة صغيرة، القصر مليان بالخير، وبدأت أوسع مشروعي للتصميمات لحد ما بقى ليه اسم كبير في السوق، وبقينا أنا وحسن بنساعد كل محتاج وبنفتح بيوت لناس كتير كانت تايهة في الدنيا.

في يوم، وأنا في الأورش بتاعي جوه القصر براجع بعض التصميمات الجديدة، دخل عليا حسن وعطله قلق وتفكير غريب، بص لي وقال بصوت هادئ:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *