حكايات زهرة الاخير
* “سامحيني يا نبيلة.. سامحي أختكِ.. الغرور عماني.. ودفعت الثمن غالي أوي.”
نزلت دمعة على خدها الأخير، وراحت في سكرات الموت، وسابت الدنيا بكل ما فيها من صراع ومظاهر.
طلعت من الغرفة وانا منهارة، وحضنني حسن بكل قوته وقعد يطبطب عليا ويهدي فيا، وجهزنا كل إجراءات الدفن والعزاء بكل احترام، ودفناها جنب أبويا الله يرحمه.
رجعت القصر وأنا حاسة بوجع كبير في قلبي، مش عشان خسرت مظاهر أو فلوس، لا.. عشان كنت أتمنى إنها تتعلم الدرس وتعيش حياة كريمة من غير ما تضطر تدفع العمر كله ثمن لغرورها. أمي عيطت كتير لما عرفت الخبر، وقالت بصوت مكسور:
* “ربنا يرحمها برحمته الواسعة.. هي أختكِ وفي الآخر دي قضاء ربنا.”
حضنت أمي وقعدنا ندعي لهم هم الاتنين بالمغفرة، وحسيت إن الدرس انتهى، وإن الحياة بتعلمنا إن القسوة والغرور مبيبنوش بيوت، وإن الأصل الطيب والقلب الصافي هما الباقيين وبس.
مرت أسابيع طويلة على رحيل هدير، وكان الحزن لسه ساكن أركان البيت القديم وجزء من قلوبنا، لكن الحياة استمرت بسنّتها وقوانينها. أمي بدأت تستعيد هدوءها وبقت تقضي وقتها في قراءة القرآن والدعاء للمتوفيين، وحسن كان دايماً سند ليا، بيحيطني باهتمامه وحبه عشان يخرجني من أي أثر حزين سابه الموقف ده.
مشروعي في تصميم الأزياء بقى ليه اسم كبير وموثوق فيه في السوق، وبدل ما كنت بشتغل لوحدي في مشغل ضيق، بقى عندي دار أزياء راقية بيشتغل فيها ناس كتير، والجزء الأكبر من أرباحها كنا بنخصصه لأعمال الخير، لمساعدة البنات اليتامى والستات الغلابة اللي محتاجين سند في الدنيا، تخليداً لذكرى أبويا وتواضعاً لنعم ربنا علينا.
في يوم، وأنا في دار الأزياء براجع أحدث الكولكشنز، دخلت عليّ السكرتارية وقالت باهتمام:
* “يا مدام نبيلة، فيه ست محترمة قاعدة بره ومصرّة تقابلك، وبتقول إنها تعرفك كويس أوي من أيام زمان، من قبل القصر ومن قبل كل النجاح ده.”
استغربت جداً، وقمت استقبلها بنفسي في مكتبي. أول ما الباب اتفتح ودخلت الست دي، بصيت لها بتمعن.. صحيح ملامحها كبرت وبان عليها تعب السنين، بس عينيا عرفتها فوراً.
دي “أمينة”.. جارتنا القديمة، الست الطيبة اللي كانت ساكنة في الدور اللي تحتنا في الشارع القديم، والتي كانت دايماً تقف جنبي وقت الضيق وتطبطب عليا لما كلام هدير كان بينغز قلبي. بس من ساعة ما اتجوزت حسن ونقلت القصر، فقدت التواصل مع ناس كتير من القدام.