حكايات زهرة الاخير
مرت الأيام والشهور، وكأن الحياة في القصر بقت مرسومة بهدوء وسلام بعد عواصف السنين الطويلة. أمي كانت قاعدة في البلكونة الكبيرة بتشرب الشاي وبتتفرج على الزرع، وصحتها اتحسنت كتير عن الأول وبقى وجهها منور بالراحة والطمأنينة. أما أنا وحسن، فحبنا كان بيزيد كل يوم، وبقينا دايمًا مع بعض، سواء في إدارة أعمالنا أو في مشاريع الخير اللي فتحناها لخدمة الناس الغلابة والمحتاجين.
بس الدنيا بطبيعتها دايمًا مخبية مفاجآت، ويوم جديد من أيامنا بدأ بمكالمة غير متوقعة هزت قلب البيت كله.
في صباح يوم هادئ، تليفون القصر رن، ورديت كالعادة لأفاجئ بصوت راجل غريب من قسم الشرطة القريب من منطقتنا القديمة. بيقول بصوت جاد:
* “معانا مدام نبيلة الهواري؟”
قلبي اتقبض، ورديت بصوت مرتعش:
* “أنا هي.. خير يا فندم؟ حصل إيه؟”
الظابط كمل كلامه وقال:
* “للأسف فيه حادثة حصلت لواحدة اسمها هدير، وكانت شايلة معاها أوراق تثبت إنها أختكِ، والعنوان القديم دلنا عليكم.. الحالة خطيرة جداً والمصابة في المستشفى العام، وبتطلب تشوفكم في أقرب وقت.”
السماعة وقعت من إيدي من الصدمة والذهول، وحسن اللي كان واقف جنبي جري عليا وسندني بلهفة وقال:
* “في إيه يا نبيلة؟ مين على التليفون؟”
حكيت له الكلمتين اللي سمعتهم، ومن غير تردد، حسن نادى الحرس وجهز العربية بسرعة طار بيا على المستشفى.
طول الطريق، كان قلبي بيدق بعنف، وكل شريط حياتنا القديمة بيعدي قدام عيني؛ هدير بغرورها، بكلامها الجارح، وبتريقتها عليا وعلى الشحاتين.. وإزاي الدنيا دارت ودورت لحد ما رمتها في الطريق المظلم.
وصلنا المستشفى، وطلعنا جري على غرفة العناية المركزة. لقينا الدكتور واقف بره، وبمجرد ما شافنا قرب وقال بأسف:
* “البقاء لله.. الحالة وصلت متأخرة جداً، الإصابات والنزيف كانوا أقوى من إن جسمها يستحمل، وقبل ما تاخد نفسها الأخير، فضلت تكرر اسمك يا مدام نبيلة وتقول إنها عاوزة تطلب منك السماح.”
وقفت قدام باب الغرفة، ودموعي نزلت غصب عني. دخلت لوحدي وشوفت هدير نايمة على السرير الأبيض، الوش اللي كان ماليان غرور ومظاهر بقى باهت ومكسور، والملامح اللي كانت بتتفنن في جرح الناس بقت ساكنة تماماً.
قربت منها، مسكت إيديها الباردة، ولقيت شفايفها بتتحرك بصوت ميادوب مسموع، بتقول بصوت يقطع القلب: